حيدر حب الله
162
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
لقرن كامل بعد وفاته بحيث غدا من بعده مقلّدين له كما يقول الشهيد الثاني وغيره « 1 » ، ولم تفز نظريته في خبر الواحد وتسيطر إلا بعد حين ؟ ! ما هو تفسير هذه الظاهرة ؟ ! والذي يمكننا تحليله - بقطع النظر عن توقّفنا في هذه المقولة المشهورة - هو أنّ تلامذة الشيخ الطوسي كانوا على قسمين : تلامذته في بغداد قبل هجرته إلى النجف عام 448 ه إثر الفتنة الطائفية فيها ، وتلامذته الذين خرّجهم في حوزة النجف بعد الهجرة ، ويمتاز الفريق الثاني بعنصر الشباب ، فيما يمثّل الفريق الأوّل عنصر الجيل السابق ، والذي يبدو أنّ أوضاع بغداد حالت دون استمرار أجيال مدرسة بغداد بقوّة ، فيما كانت أحوال النجف مختلفة ، ونظرا للعنصر الشبابي في حوزة النجف ظهرت كاريزما الطوسي وسيطرت وفق ما يراه محمد باقر الصدر في هذه النقطة بالخصوص « 2 » ، ومن الطبيعي أن تظهر تأثيرات الطوسي بعد وفاته بفترة ، ويستقرّ الموقف له بشكل نهائي بعد رحيل جيل بغداد الذي كان من أعلامه ابن البرّاج الطرابلسي الذي شاهدنا رفضه لنظرية خبر الواحد ، وإذا رجعنا إلى أولى الشخصيات التي نقدت الطوسي وجدنا ابن إدريس الحلّي ( 598 ه ) ، كما وجدنا مظاهر النقد هذا عند ابن زهرة الحلبي ( 588 ه ) الشخصيتان اللتان عرفنا عنهما أيضا إنكار أخبار الآحاد . من هنا نعتقد بأنّ ظاهرة التقليد للشيخ طاولت نظرية الخبر بالتأكيد ، لاستبعادنا أن لا تطال هذه النظرية الهامّة ، لكن الجيل الذي تابع الشيخ لم يكن من الدرجة الأولى المعروفة في الأوساط الشيعية على صعيد علم أصول الفقه بالخصوص كولد الطوسي أبي علي ، وأبي الحسن اللؤلئي والحسين بن المظفّر بن علي الحمداني وغيرهم ، ومن هنا نعتقد انطلاقا من تحليل - لا من توثيق - أن نظرية الطوسي سرت في الأوساط الشيعية ، إلا أننا لا يمكننا أن نقبل تحوّلها إلى نظرية مضاهية لنظرية الرفض ، إذ لا وثائق ولا تحليل يبرران ذلك ، بل الوثائق تشهد على العكس ، هذا إضافة إلى ما يقوله السيّد الصدر من أنّ الركود ليس لشخصية الشيخ فقط بل لعناصر أخرى خارجية « 3 » ، وهذه نقطة جديرة لصالحنا هنا ترفع الإشكال من رأس ، لأنها تنسف مقولة تقليد الطوسي من حيث هو بل من حيث الظروف ، ومعناه أنّ المهم هو عدم وجود مبرر للإبداع لا خصوصية في تقليد الطوسي .
--> ( 1 ) - الشهيد الثاني ، الرعاية : 75 ؛ والشيخ حسن ، المعالم : 176 - 177 ؛ وابن طاوس ، كشف المحجة لثمرة المهجة : 185 . ( 2 ) - محمد باقر الصدر ، المعالم الجديدة للأصول : 83 - 86 . ( 3 ) - المصدر نفسه : 82 - 89 .